"قراءةٌ من وراء الزُّجاج"

"قراءةٌ من وراء الزُّجاج"

جاء في الإهداء: "إلى الذين أرهقتهم سنوات انتظارٍ للحريّة، إلى الأسرى الذين عجزت كلماتنا عن البوح في فضاءٍ يصغر أمام إرادتهم، إلى الأطفال الذين يحلمون بحُريّة أحبّائهم ومعانقتهم بعد طول غيابٍ، إلى كلِّ مُدافعٍ عن الحقِّ.. الأُستاذ المحامي حسن عبادي، صاحب المبادرة الثقافيّة المُميّزة (لكلِّ أسيرٍ كتابٌ)؛ قصّة للأطفال عنوانها "قِراءَةٌ مِنْ وَراءِ الزُّجاجِ" للكاتبة المقدسيّة نزهة الرَّملاوي.(يحتوي الكتاب 43 صفحة، تدقيق لغوي: لينا عثامنة، رسومات: منار النّعيرات(الهرم)، إصدار: دار الهدى للطباعة والنشر كريم 2001 – كفر قرع؛ صدر لها "عُشّاق المدينة"، "كرنفال المدينة"، "القبّعات الملوّنة"، "ذاكرة على أجنحة حلم" وغيرها ).

نحن أهل بلد المليون أسير؛ والأسر لامس غالبيّة بيوت بلادنا، من الأطفال والأشبال، الفتيان والفتيات، النساء والرجال، الأبناء والآباء، الزوجات والأمّهات، الأحفاد والأجداد، وهناك من سلبهم الطفولة وآخرون سلبهم حنان الأم و/أو الأب أو كلاهما معًا.

تحاول الكاتبة تناول قضيّة الآباء الأسرى أمام أطفالهم، من خلال الطّفلة أميرة التي تعاني من حرمان حنان الأبوّة لأنّ والدها أسير، وأمنيتها الصغيرة/الكبيرة أن يقرأ لها والدها القصّة المطلوبة للمدرسة، عبر هاتف الزيارة والحاجز الزجاجيّ الفاصل بين الأسير وزائريه (ملاحظة لا بدّ منها، من خلال زياراتي النصف شهريّة في السنوات الأخيرة لأسرانا في سجون الاحتلال، بتُّ أمقت ذاك الزجاج الباهت البغيض المغبّش عمدًا في أكثر الأحيان، خصّيصًا  لتشويه الصورة وعرقلة التواصل المرئي بين الزائر والمَزور) ويتحقّق حلمها الصغير، وتذهب الكاتبة إلى أبعد من ذلك؛ نجحت بنقل قراءة الوالد للقصّة صوتًا وصورة إلى زملاء أميرة في الصّفّ عن طريق الهاتف المحمول. (فعلت الكاتبة ذلك بحبكة قصصيّة، تُحسب لها وليس عليها، ورغم أنّ هذا الأمر لا يمكن حصوله على أرض الواقع، فالسجّان لا يسمح للزّائرين بإدخال الهواتف المحمولة أثناء الزّيارة، لا للأهل ولا للمحامين، إلّا أن الكاتبة نجحت بتوظيف الخيال... أو الهواتف المهرّبة، رغم أنف السجّان، بتحقيق أمنية الطفلة أميرة بأن يقرأ والدها لها قصّة أمام زملائها ليسعدها ويعوّضها عن السعادة المفقودة ولو للحظات).

إنَّ المطالعةَ هي عادةٌ تُكتَسبُ منذُ الصغرِ وتشكّلُ جزءاً من ثقافةِ الشعوبِ، حُب المطالعة يولد في الأسرة، أوّلاً، ثم ينمو في المدرسة، لكي يصبح من ثَمّ عادة مكتسبة.

وهي محور القصّة، تحفّز الأطفال على المطالعة لخلق جيل قارئ، وجاءت لغتها بسيطةً وسهلةً نسبيًّا وخاليةً في مجملِها من غريبِ اللفظِ ومحسّناته، ثريّة ومثرية. استعملت الكاتبة بعض المصطلحات غير المألوفة وصارت ملازمة لجيل عاش الأسر والمعاناة منذ نعومة أظافره، وعلى سبيل المثال، لا الحصر؛ أسير، مقيّد بالسّلاسل والأصفاد، أشاطرك الألم، أستبشر خيرًا، بشائر فرح وأمنيات، تُطلق زفرات وحسرات الألم، رصد السّجانون، دهليز طويل، مقبض سمّاعة التليفون وغيرها.

جاءت الحوارات في القصّة بنيويّة دون ابتذال حين تتساءل أميرة "متى سيرجع أبي؟ لقد اشتقت إليه." وكذلك تجنيدها للأناشيد الشّعبية زادها جمالًا؛ على سبيل المثال أغنية الأطفال: "طاق طاق طاقيّة…. شباكين بعليّة.." وأغنية "أعطونا الطّفولة". 

إنّها قصّة انتصار الإرادة، إرادة الطفلة أميرة، ابنة الأسير التي سُلبت طفولتها مثلها مثل الكثيرين من أبناء جيلها، ، مقابل جبروت السجّان وغطرسته، قصة انسانية بامتياز، تعكس واقع أبناء أسرى الحريّة؛ وحرمانهم من أبسط الأمور الإنسانيّة، بعيدًا عن الأسطرة، كلّها قراءة قصة للأطفال، يا له من حلم بعيد المنال!

القصة جميلة ومؤثّرة والحبكة رائعة والنهاية سعيدة.

رافقت القصّة رسومات بريشة الفنّانة منار النّعيرات (الهرم) جاءت موفّقة ومعبّرة، وتسهّل على الطّفل فهم القصّة ومضمونها.

هدفت هذه القصّة لإكساب القدرة على الإصرار والعزيمة، والتغّلّب على الصّعاب والعقبات مهما كانت، وأنهت الكاتبة القصّة بعاطفة الفرح والانبساط بأنشودة أعطونا الطّفولة، بعد عودة أميرة من زيارة والدها في السّجن.

وأنهي بمقولةِ جون بول سارتر :"إن الكتابَ، وهو مُلقى على الرفِّ، أشبه بالجسمِ الميّتِ، تدُبّ فيه الحياةُ إذا امتدّتْ إليه يدُ القارئِ". فلنقرأْ !

. . .
رابط مختصر
مشاركة الخبر: