القدس في روايات الأسيرات والأسرى وفي السير الذاتية واليوميات (4)

كتّاب وأدباء عاشوا السجون ..

القدس في روايات الأسيرات والأسرى وفي السير الذاتية واليوميات (4)
كتاب محمد عليان

الكاتب محمود شقير 

وفي كتابه "البهاء باقٍ فينا ومعنا" يكتب محمد عليان الذي جرّب السجون الإسرائيلية لسنوات طويلة، واصفًا دفن ابنه الشهيد في مقبرة باب الساهرة في القدس بعد مكوثه أشهرًا طويلة في ثلاجات الاحتلال:

"يا إلهي لو اني أبكي ، يا إلهي لو اني أصرخ .. كانت صرختي ستدوي في أنحاء وسماء القدس .. البهاء أمامي .. عاريا كان ، الا من قطعة داخلية وحذاء رياضي في قدمه اليسرى و" وجربان أبيض " في قدمه اليمنى .. البهاء أمامي .. عاريا كان ، بهيا كان ، جميلا كان ، أي جمال أبهى من جمال البهاء .. نظر إليّ عليّ .. نظر نحوي الضابط ، العائلة في وجوم قاتل .. السماء تترقب ..   ملأت صدري بكمية كبيرة من الهواء ، بلعت ريقي المتجمد ، أرغمت غصة على التراجع ، رسمت ،بريشة طفل هاو ، ابتسامة باهتة ، صفراء ، لا حياة  فيها ، استعرضت بنظرة سريعة ، جسم البهاء ، أمامي كان ، عاريا كان ، ينتظر دفء الارض ، يا الهي أشعر بالبرد ، بالقشعريرة ، أحاول إخفاء رجفة مباغتة ، اقول وانا لا اسمع صوتي ، لكنهم سمعوه ، هم العسكر ، والعائلة وأم البهاء وربما البهاء 

- أوافق ..

- هتفت العائلة ، ابتسم العسكر ، صفقت القدس 

ابتسم البهاء ..

 تململ البهاء .. 

أحسست بذلك او هكذا بدا لي ..

 بعد دقائق سينعم بدفء القدس 

" أيها الشعب 

بهاء الآن في دفء القدس " ص51/52

تبدو القدس هنا مثل أم رؤوم وهي تحتضن جثمان الشهيد.

***

وفي تجربة الكاتب جميل السلحوت وعلاقته بالقدس ما يلفت الانتباه؛ فقد اعتقل في آذار 1969 وجرّب سجون المسكوبية والرملة والدامون، وأمضى ما يزيد عن العام معتقلًا إداريًّا، وبعد سنوات من مغادرة السجن عاد إلى تلك الفترة القاسية التي تعرض فيها للتعذيب، وكتب عددًا من الروايات التي ظهرت فيها القدس بوصفها مدينة محتلة، لكنها لا تخضع لإرادة المحتلين، كانت أولاها رواية "ظلام النهار" التي جعل لها بطلاً اسمه خليل، ظل يظهر في روايات أخرى بتجليات متتابعة، وهو يعمل في القدس ويعيش على تخومها، ويدخل السجن الإسرائيلي ويتعرض للتعذيب من أجلها، كما تبدى ذلك في رواية "العسف"وفي غيرها من الروايات. 

في رواية "اليتيمة" نقرأ ما يلي: "عند مدخل الشّارع الموصل إلى حيّ الثّوري، والمحاذي لسور الدّير الألماني طلب منها أن تأخذ يمين الشّارع للدّخول من هناك باتّجاه الثّوري. نزلوا الجبل في الشّارع اللولبيّ الذي يشبه الأفعى في زحفها، ويزدحم بالسّيّارات التي تصطفّ على جانبيه رغم كثرة عدد السّيّارات التي تعبره. عندما وصلا الوادي، استغلّ عدم معرفتها بالطّريق، وبدلا من أن يدور يمينًا باتّجاه بئر أيّوب، تركها تسير في الشّارع العامّ ليريها مدخل عين سلوان التّحتا، ومن عند العين الفوقا سيدور بها يمينًا عائدًا إلى بئر أيّوب، فبيتهم يقع في تلك الطّريق.

قال لها عن العين:" عين سلوان مركز بداية مدينة القدس الكنعانيّة قبل آلاف السنين. وتعتبر العين مقدّسة عند المسيحيّين لأنّ المسيح استعمل ماءها لشفاء الرّجل الأعمى. ويقال أنّ السّيّدة مريم العذراء غسلت بمائها ملابس الرّضيع عيسى، ولهذا سمّيت أيضا بعين العذراء."ص57

القدس هنا هي مدينة العراقة والتاريخ، وهي حاضنة التجربة في الحياة وفي الكتابة.

***

أما القدس في اليوميات التي كتبها ابراهيم جوهر الذي اعتقل لمدة ثلاثة أشهر عام 1979 حين كان طالبًا في جامعة بيت لحم، فهي تتجلى بوضوح في كتابه "أقحوانة الروح" التي منحها الكاتب كثيرًا من انتباهه، ليس لأنّه يحيا على تخومها ويتحرّك في فضائها الثقافي والاجتماعي كل يوم، ويعاني من حواجز المحتلين المنصوبة حولها، ومن ممارساتهم العنصرية، معرّضين بذلك كرامته وكرامة أبناء شعبه للامتهان، وإنما كذلك لما للقدس من مكانة في نفسه وفي نفوس الملايين من الفلسطينيين والعرب والمسلمين والمسيحيين.

ولا يكتب ابراهيم جوهر يوميّاته بعيدًا من تجربته المشخّصة. لا يكتب بوصفه مراقبًا محايدًا، أو مثقّفًا متعاليًا، بل هو يكتب من داخل التجربة، وثمة مكان أثير للقدس التي تتعرّض للتهويد المستمرّ وللعدوان، ولتفاصيلها ولكلّ ما يمتّ بصلة إليها في كثير من تفاصيل هذه اليوميّات، بحيث يصبح وصفها بأنّها يوميّات مقدسيّة أمرًا في مكانه الصحيح وفي زمانه الصحيح.

يكتب إبراهيم: "...بعد الظهر تواردت أنباء اقتحام الشرطة الاحتلالية للمسجد الأقصى ، ومنعها سيارات الإسعاف من الوصول .

المسجد الأقصى في طريق محفوف بالمخاطر

القدس على مرمى حجر من التهويد الكامل 

الناس في القدس حيارى، مغبونون . حزانى ضائعون ، متروكون لمصيرهم المنظور في وحشته ووحشيته .يدي على قلبي . في الآونة الأخيرة صرت كثيرًا ما أضعها على قلبي .

لساني عاجز ، وتوقعاتي موغلة في التشاؤم .

 مطر خفيف يرهم في الخارج . الحرارة توالي انخفاضها .

الارض اشتاقت للمطر ، وكذا الناس .

سأذهب مساء لزيارة طبيب العائلة بهدف تجديد القطرة والدهون لعيني اليسرى.

عيني ...هل يعود السبب لتلك الليلة التي أوقفني فيها عدد من جنود حرس الحدود في أعلى الجبل حين سلّط أحدهم ضوء مصباحه اليدوي على مقربة  سنتمترات منها ؟؟

صلبني على الجدار الحجري وسلّط ضوءه المبهر على العين اليسرى حين وجد بقايا لاصق مما يستعمله النجارون (آجو) في صندوق السيارة .

كنت اقترضت كمية من تلك المادة من جارنا النجار وأنا أعمل في مكتب العرب للصحافة بإدارة رضوان أبو عياش ، ولم أكن أدري وقتها (عام 1991 م.) أن المادة تستعمل في حرق السيارات !!

 صباح الجمعة ؛ مطر خفيف همى فبلل الطرقات والمصاطب ورؤوس الأشجار وأسطح المنازل .

مطر بلل قلبي .

ليت المطر يواصل الهطول" ص12 .

القدس هنا مدينة قابلة لتبادل الهموم اليومية مع ابنها وكاتبها ومع أبنائها الصامدين فيها المضحّين من أجلها.

***

وفي "عسل الملكات" لماجد أبو غوش الذي اعتقلته سلطات الاحتلال أربع مرات، أطولها اعتقاله لستة أشهر عام 1978، لا يكتفي الكاتب بتخصيص حيز ملائم في روايته لرام الله أثناء الانتفاضة الثانية، بل إنه يجعل بطل الرواية متيمًا بفتاة مقدسية، يلتقيها ويبحث عنها في أماكن عدة في مدينة القدس، بحيث تبدو المدينة بكل هذه الأوصاف التي يغدقها عليها الكاتب كما لو أنها هي الحبيبة الثانية إن لم نقل الأولى.  

جاء في الرواية: "في المدينة القديمة، داخل السور، هبطتُ درجات باب العامود إلى باب خان الزيت، دخلتُ إلى مطعم (أبوشكري)طلبت طبقي المعتاد،(حمص مع فول مع رشة بقدونس وتتبيلة حارة وغارقًا بالزيت)(من لم يأكل من حمص أبو شكري في القدس القديمة لا يعرف الحمص)خرجت من المطعم، هبطت الدرجات القليلة وإنعطفت ناحية اليمين باتجاه كنيسة القيامة، في الساحة الحجرية أمام الكنيسة كانت تقف بدلال في ظل حائط الكنيسة."ص63 

مجلة المقدسية/ العدد 14/2022 

. . .
رابط مختصر
مشاركة الخبر: