القدس وذاك السجن القبيح .. المسكوبية

القدس في روايات الأسيرات والأسرى وفي السير الذاتية واليوميات

القدس وذاك السجن القبيح .. المسكوبية
سجن المسكوبية

الكاتب محمود شقير

تحظى القدس بشكل عام وسجن المسكوبية الكائن في الجزء الغربي من القدس بشكل خاص بذكر وافر في كتابات الأسيرات والأسرى. فقد أمضت مي الغصين ما يقارب ست سنوات في سجون المحتلين الإسرائيليين، وكما ورد في روايتها "حجر الفسيفساء" فقد جاءت إلى شارع صلاح الدين المقدسي في سيارة نقل الأسرى لكي تمثل في المحكمة الواقعة بمحاذاة الشارع، ومن الفتحات الصغيرة في جسم السيارة تنظر بلهفة إلى الشارع الذي حرمت جراء الاعتقال من المشي فيه، ثم تصف سجن المسكوبية، وهو سجن سيء السمعة بسبب وحشية التعذيب التي يتعرض لها الأسرى والأسيرات في مكاتب التحقيق التابعة له، تصف زنزانة العزل التي وضعت فيها في المسكوبية ومطالبتها المستمرة في الانتقال من هذا السجن، وبعد طول مطالبات واحتجاجات تُنقل إلى مركز التوقيف في عسقلان.

مرة أخرى تجيء إلى المحكمة وتكتب في كتابها عن القدس:

"من جديد في المسكوبية 10 / 02/ 1992 ، لأقضي ليلة قبل المحكمة،

والتي كما أخبرني المحامي ستكون الجلسة الأخيرة للنطق بالحكم، لم

يكن ذلك الحكم ما يشغل بالي، وإنما تلك المدينة المقدّسة. أتساءل وأنا

في طريقي للمحكمة: تُرى متى ستعود قدمي لتطأ أرضها من جديد؟!

سيارة البوسطة تجوب الطرقات، وتلك الغيمات المقدسية هناك في

السماء، لها ألف يدٍ ويد، كرحم أمّ تحتضنني، تمنّيت لو أنني جنينٌ

يسكن جوفها فتلدني كرذاذٍ صباحي يعانق القباب"ص71.

ولدى مغادرة المحكمة في سيارة البوسطة تكتب مي ما يلي:

"شقّت سيارة البوسطة طريقها في شوارع القدس، تلك المدينة التي لها

سحرها الخاص، والتي لا تعود فيها دقّات القلب منتظمة، لها حضور

لا يُقاوم، سحرٌ غير محرّم، حبٌّ لا يزول، غزلٌ لا خجل فيه، مدينة

المتناقضات، حرّة رغم الأسر، فرح رغم الحزن، على كلّ شرفة من

شرفاتها تركت نبضة، وتحت كلّ قبة دعوة، وفي كلّ درب زرعت خطوة،

وعلى كلّ نافذة علّقت أملاً، وفي سمائها نثرت روحي كفراشة تحترق

بأنوارها، أقدامي مكبّلة، غير قادرة على أن تطأ ثراها، لكنّ روحي ما

زالت تشتمّ عبقها.

كم تمنّيت لو أنني حجر في جدرانها، أو جذر شجرة يمتد في باحاتها،

(...) عهداً لك يا مدينة الحكايات أن يبقى هذا القلب مُرابطاً بحبّك،

ويدعو الله كلّ ليلةٍ بأن أقضي شيخوختي فوق أدراجك القديمة."ص72/73

***

هو السجن ذاته الذي ورد ذكره في بعض شهادات الأسيرات المحررات في كتابهن: "ترانيم اليمامة" الذي صدر حديثًا عن دار طباق للنشر والتوزيع في رام الله، وهن عشر أسيرات: مي الغصين، تغريد سعدي، شريفة أبو نجم، عطاف عليان، أريج عروق، لينا جربوني، جيهان دحادحة، نهاد صالحية، منى قعدان، عهود شوبكي.

وهو السجن ذاته الذي وصفه الكاتب المقدسي طلال أبو عفيفة في كتابه "ذكريات الماضي.. سيرة ومسيرة" حين اعتقلته أجهزة الأمن الإسرائيلية على جسر اللنبي أول مرة مدة ثلاثة أسابيع عام 1979، ثم حين اعتقلته للمرة الثانية ثلاثة أشهر عام 1980 بتهمة الانتماء لحركة فتح.

***

وللروائي أسامة العيسة الذي اعتقل عددًا من المرات لمدد غير طويلة رواية بعنوان "المسكوبية" كتبها من وحي تجربته في الاعتقال وتجربة مناضل آخر معتقل، وفيها تفاصيل عن القدس وعن سجن المسكوبية الكريه، الذي دخله الآلاف من المناضلين الفلسطينيين واكتووا بجحيمه وصمدوا أمام قسوة المحققين والسجانين الإسرائيليين.

يكتب أسامة: "لا أعرف كم مضى من الوقت وأنا أقف خارج الغرفة التي يصعب نسيان ما كان يجري فيها، وكلما حاولت أن أحرّك أحد أطرافي، أتعرّض

للكمة على رأسي أو جنبي، أو رفسة على إحدى رجليّ. مِن الصعب

تحديد الزمن أو مَعْرِفَة الوقت. الزمن في السجن غير الأزمان في الخارج،

وزمن الزنزانة غير زمن الشبح، وهذا غير زمن التحقيق، وهذا غير زمن

شبح الكرسي، وهذا غير زمن تعذيب الخزانة، وهذا غير ذاك وذاك غير

هذا. الزمن نسبيّ، فكيف عرف آينشتاين ذلك دون أن يُسجن؟" ص 13

ويكتب: "الدماغ لا يكفّ عن التفكير في الزنازين، ستتذكر أمورًا كنت نسيتها

، وتفاجأ بأنك تذكرها أو أنها حدثت معك فعلا. الدماغ يبقيك على

قيد الحياة في السجن. دون هذا العضو العجيب في الجسم، لا توجد

حياة. كل أعضاء الجسم تتألم من آثار الجروح والرّضوض، وهو وحده

يسليك، يُؤْنِس وحدتك، يُيفك ويُشجّعك، يحضر لك وجوه عائلتك،

والفتاة التي تحبّها، والتي ابتسمت لك ذات يوم بِخفر، ولا تعرف أين

أصبحت الآن، والتي تمنيتها ولم تطلْها، والتي أحببتها وكرهتك، والتي

أحبتك ولم تراعِ مشاعرها. يُذَكِّرك بوجوه الأصدقاء الذين ينتظرونك،

ويفخرون بصمودك، ستكون لهم مثلا، يقنعك بأنك قوي، أقوى مما

كنت تتصور عن نفسك، بأنك ما زلت تعيش، رغم كل ما حدث

معك، من يستطيع أن يبقى لو مَرّ بتجربتك؟." ص 14

***

الأمر ذاته ينطبق على المناضلة عائشة عودة التي اعتقلت عام 1969 وصدر ضدها حكم بالسجن مدى الحياة وبعدة مؤبدات، لكنها تحرّرت من السجن بعد عشرة أعوام في صفقة تبادل عام 1979، وقد ورد ذكر سجن المسكوبية في كتابها "أحلام بالحرية" الذي وصفت فيه جلسات التحقيق والتعذيب التي تعرضت لها في هذا السجن المقيت وفي غيره من السجون.

كتبت عائشة: "تنبه أحدهم إلى شعري المربوط على هيئة ذنب فرس. أمسك به وطوح بي عاليًا في الهواء ورماني على الأرض. أقدام كثيرة بدأت تركلني. من جديد سحبني من شعري ورفعني عاليًا وخبطني في الأرض لتركلني الأقدام من جديد كأنما يمارسون لعبة. تكرر ذلك ثلاث أو أربع مرات.

لا أذكر أنني كنت أتألم، ولكني كنت أشحن إرادة الصمود والتحدي مع كل صفعة أو ركلة مكررة في نفسي: هذا ثمن المواجهة، هذا ثمن المواجهة."ص64.

وكتبت: "ركز نظره في عيوني من جديد، وأخذ ينقلهما بالتناوب بين (الأنبوبتين) وعيوني، وأخيرًا قال: (...) لا حاجة لأن تعذبي نفسك، خير لك أن تضعي كل ما لديك على هذه الطاولة.

-ليس لدي شيء لأضعه على الطاولة.

-ذنبك على جنبك.

ناول الأنبوبتين للواقف خلفي، بدأ يضربني بهما على رأسي كما يفعل قارع الطبل. رفعت يدي لأحمي رأسي، فضربني فوقهما."ص65.

***

وفي كتاب السيرة "ظل آخر للمدينة" الصادر عام 1998 وصفت اعتقالي مرتين، الأولى بتاريخ 27 تموز 1969 والثانية في 19/ نيسان 1974وأودعت سجن المسكوبية ثم سجن صرفند العسكري وبعد ذلك سجنا الرملة الدامون، ثم سجن رام الله، وسجنا الجلمة وبيت ليد، وقد أبعدت من هذا السجن الأخير إلى لبنان عام 1975، ولم أعد إلى القدس إلا عام 1993.

وكنت وصفت الساعات الأولى لاعتقالي عام 1969 واقتيادي ليلًا من بيتي في جبل المكبر إلى سجن المسكوبية على النحو التالي: "عند اقتراب الفجر، جاء ضابط المخابرات الذي اعتقلني، وقد أرهقني الوقوف طوال ساعات في مواجهة السور. طلب مني أن أتبعه، (...) مضيت إلى جانبه، لا أسمع سوى طرقات أحذيتنا على إسفلت الشارع الصاعد من مكاتب التحقيق إلى الساحة الخارجية لسجن المسكوبية، الذي يقع على تخوم الجزء الشرقي من القدس. (...) والقدس تنام الآن في سكون الفجر، وستصحو بعد قليل من نومها، فتعرف أنني لم أعد قادراً على التجوال في شوارعها وأزقتها، فتضيف إلى أحزانها المتراكمة حزناً جديداً. أسير صامتاً، متهيباً مما تبيته لي الأيام القادمة، ويسير الضابط صامتاً. نقترب من ساحة المسكوبية، التي لم تكن سجناً في الأصل، بل: "مؤسسة معدّة لاستقبال الزوار الروس في الأعياد والمواسم، يديرها رهبان وراهبات من الروس أنفسهم، يحيط ببنائها الفخم وكنيستها الكبرى حدائق وكروم زيتون على التلال والأودية، يتألف من مجموع ذلك مناظر رائعة يُرى منها جبل الطور والأبنية التاريخية البارزة بقببها ومآذنها وقواعد أجراسها، مما يضمن لكل زائر راحته وانشراحه مهما كان مثقلاً بالأتعاب فكراً وجسماً" وذلك كما يصفها مصطفى مراد الدباغ في كتابه "بلادنا فلسطين". الآن لا وجود لحدائق حول المكان. ولم أر سوى بناية قديمة متجهمة، تعلو السور المحيط بها شبكة من الأسلاك الشائكة" ص116.

مجلة المقدسية/ العدد 14/2022

. . .
رابط مختصر