من داخل السجون ..

القدس في روايات الأسيرات والأسرى وفي السير الذاتية واليوميات

من داخل السجون ..
غلاف كتاب رسائل إلى القمر

من داخل السجون
ثمة عدد غير قليل من الروايات والسير والشهادات التي كتبها الأسرى الفلسطينيون وهم في الأسر.
في كتاب "ألف يوم في زنزانة العزل الانفرادي" للأسير مروان البرغوثي يتطرق الكاتب إلى المعاناة الممتدة التي عاشها في الزنازين وفي التحقيق الذي استمر فترة طويلة مصحوبًا بالتعذيب. 
ويرد ذكر القدس وسجن المسكوبية في عدد من صفحات الكتاب. فقد كتب مروان في إحدى رسائله للشاعر اللبناني زاهي وهبي الذي قدّم الكتاب: "سيكون لقاؤنا في القدس المحررة حيث ستحظى بمتعة الجلوس على أسوار القدس لتشعر أنك تتربع على عرش حضاري يمتد آلاف السنين، وحيث نحتسي فنجان قهوة في البلدة القديمة على أصداء أذان المسجد الأقصى وصوت أجراس كنيسة القيامة. حين ذلك البهاء تقدم برنامجًا بعنوان "خليك بالقدس" ص13 .
ويواصل الكاتب التطرق إلى وضع القدس تحت الاحتلال واصفًا إجراءات المحتلين الإسرائيليين ضدها: "استمروا في سياسة عزل القدس وتهويدها وبناء المستوطنات فيها وإغلاق المؤسسات على اختلاف أنواعها والتضييق على سكانها بهدف إجبارهم على الهجرة منها وتفريغها". ص198
ويتطرق إلى ذكر سجن المسكوبية وتعرضه للتحقيق وللتعذيب فيه غير مرة، ومن بين هذه المرات تعرُّض والدته للتحقيق في هذا السجن البغيض الذي أطلق عليه المعتقلون الفلسطينيون وصف "المسلخ" بسبب سمعته السيئة في تعذيب المعتقلين " ص170 
***
وقد أنجز الأسير باسم خندقجي المحكوم ثلاثة مؤبدات في سجون الاحتلال كتابة ست روايات في السجن علاوة على ديوانيّ شعر.
في أحدث رواية له بعنوان "شياطين مريم المجدلية" تتبوأ القدس مكانة بارزة في السرد حيث بطل الرواية نور الشهدي الذي يخطط لكتابة رواية عن مريم المجدلية، ما يجعله مضطرًا إلى دخول المستوطنة  المقامة على أنقاض بلدة اللجون الفلسطينية، تسنح له الفرصة حين عثر على هويةٍ شخصية ليهودي اسمه أور شابيرا. يستعين نور بالشيخ المقدسي ذي الأصول المغربية لكي يضع صورته على الهوية ليتمكن بعد ذلك من تحقيق غايته. لنتابعه وهو يخاطب صديقه المعتقل مراد ويعيش متهربًا في القدس كونه من مواطني رام الله الذين لا يستطيعون دخول القدس بسهولة:
"ها أنا الآن هنا في قلب القدس.. هل تصدق هذا؟
جئتها بالأمس قبل الفجر بقليل كعاشق، حيث تسلّلتُ عبر إحدى الثغرات في جدار الفصل العنصري المُقام ما بين ضواحي القدس وضاحية الرّام، أهو حقّاً جدار فصل عنصري يا مراد أم عتبة تفصل بين عالمْين متناقضيْن.. عالم المركز وعالم الهامش.. عالم أور شابيرا وعالم نور الشهدي؟
إن المفارقة الساخرة هي أنني أتسلّل إلى القدس بلا قناع.. أتسلّل نور الشهدي الشاب الفلسطيني اللاجئ.. وأما حين أتجول في شوارعها لا أكون سوى أور شابيرا.. أشعر الآن أنك ستنتفض في وجهي لتقول لي ألا يوجد لديك خيارات أخرى يا نور.. هل ستقلد الآخر الصهيوني من أجل عمل روائي.. ما الذي دهاك؟
كلا يا مراد.. اطمئن فأنا لم أزل أنا نور بيْد أنني نور الجواني.. وأما أور فهو أور البرّاني.. أنا الباطن وهو الظاهر.. الباطن يتجلّى والظاهر يُحجب.ص91
ينتقل السرد إلى السارد ويروقه أن ينقل مشاعر نور وهو يتجول في المدينة: "ثمة دكاكين في السوق ما زالت مغلقة وأخرى تثاءبت بكسل في طريقها إلى فتح أبوابها سعياً وراء الرزق، بلغ المنعطف المؤدي إلى شارع الواد شمالاً، فسلكه بتؤدة وثبات. شعر بأن القدس بكامل أبهتها ترافقه متأبطة ذراعه، أحس بأنه يتجول في قصائد كُتبت عنها وإليها، هكذا هو عهده معها. إنه يتخيّلها لكي يعتنقها ويعشقها. أعجبه هذا الصفاء الصباحي الهادئ الخارج من صخب الليلة الماضية برصاصها وقنابلها الصوتية والخانقة.
انعطف مرة أخرى يميناً باتجاه الشرق هذه المرة، سالكاً طريق الآلام، هذا الطريق الذي سار فيه يسوع وتوقف منهاراً عدة مرّات من أثر التعذيب وعبء صليبه الثقيل. لطالما سار نور في هذا الطريق دليلاً سياحياً للعديد من مجموعات الحجاج والسيّاح الأجانب، وأما الآن فهو يسير فيه حاملاً قناعه لا صليبه، متسائلاً في سرّه أليست كل طرق ودروب القدس مزدحمة بالآلام؟
تجاوز أكثر من نصف الطريق، ثم انعطف يساراً نحو الشمال حيث طريق باب الساهرة الذي غالباً ما يكون هادئاً وخالياً من المارة والعابرين، في مثل هذا الوقت بعكس باب العامود المدجّج بقوّات الشرطة وحرس الحدود في معظم الأوقات".ص104
ونتابع:
"عزيزي مراد..
ما زلت هنا في القدس داخل حجرة عتيقة كانت قبل قليل تعبق بكرم الشيخ مرسي وصداقته الوفية، في لقاء أخير قبل الرحيل إلى "مشمار هعيمق"..
.ص142
ما يلفت النظر في هذه الرواية مواكبتها لحدث يومي معروف واستثماره في بناء النص الروائي على نحو يخدم هدف تقويض المفاهيم الاستعمارية الصهيونية. هنا تتحدث الفتاة الصهيونية أيالا مع نور المتخفي في شخصية أور اليهودي، وهي التي تعلن نقمتها على الفلسطينية سماء إسماعيل ابنة حيفا الملتحقة بفريق الآثار التي ترفض بشكل علني كل حجج أيالا في مشاهد متقنة إلى حد بعيد لا يتسع الحيز لذكرها هنا.
وتنتهي الرواية بأن يحقق نور هدفه من الوصول إلى المستوطنة التي أقيمت على أنقاض البلدة الفلسطينية، ثم يقوم بكشف حقيقة شخصيته لسماء إسماعيل ابنة حيفا، وحين يتم الإعلان عن إنها مهمة التنقيب عن الآثار بسبب توتر الأوضاع في فلسطين، يغادر نور المستوطنة وتغادرها سماء التي تحمله في سيارتها في طريق العودة إلى حيفا.
*** 
ويكتب الأسير المقدسي حسام زهدي شاهين رواية "زغرودة الفنجان" بوصفها نتاجًا أكيدًا لمعاينة النضال الوطني عن قرب ضد الاحتلال وللانخراط الفعلي في هذا النضال، محددًا الأمكنة التي كان يتحرك فيها بطل الرواية، عمر، وهي المخيم وبيت لحم ويبوس؛ حيث نلتقي في بعض مشاهد الرواية مع السيرة  الشخصية للكاتب. ذلك أن الجد الذي زاره عمر غير مرة في قرية يبوس المتاخمة للقدس، وهو مختف من وجه الأعداء، هو نفسه جد الكاتب: داود علي شاهين، الذي كان شيخ عشيرته، وواحدًا من رجال الإصلاح في القرية، وهو الذي ألهم عمر بحكمته وبعد نظره كيف يتصدى لمشكلة الإسقاط التي دأب عليها المحتلون لكي يعرقلوا تصاعد النضال الوطني في صفوف الشابات والشباب.
وفي كتابه "رسائل إلى قمر" الذي وصفه بأنه شظايا سيرة يكتب حسام نصًّا سرديًّا يتداخل فيه أكثر من جنس أدبي، حيث الظروف القاسية التي يحيا في ظلها الأسرى الفلسطينيون والأسيرات في سجون الاحتلال الإسرائيلي. 
ومنذ البدء؛ من العنوان والإهداء نجد أننا أمام نص يعلي من شأن المرأة ويقدرها حق قدرها، ويرفض في الوقت نفسه النزعة الذكورية السائدة في مجتمعنا، المتسلطة على المرأة المنكرة لحقوقها. يتبدى ذلك في العنوان: رسائل إلى قمر؛ وفي الإهداء الموجه إلى ثلاث نساء: الأم المقدسية الحبيبة آمنة، والطفلة الحبيبة قمر، والشقيقة المقدسية الحبيبة نسيم. 
ولذلك؛ لم يغب عن بال حسام أن يذكر شقيقته المقدسية المناضلة في كتابه مع مناضلات مقدسيات أخريات: جهاد أبو زنيد، نجوى عودة، لوسي نسيبه وابنتها نزهة، سلوى هديب،وأمه آمنة.
لنتابعه وهو يتحدث عن جهاد:
(تجدها في المسيرة والمظاهرة والاعتصام، وفي مواجهة المستوطنين والاستيطان، وفي التصدي لسياسة الحواجز وهدم البيوت أو مصادرتها، وفي الندوة السياسية والتثقيفية وجلسات التوعية، تجدها تحشد الجماهير، تنظمها وتؤطرها في مختلف النشاطات، فهي تمتلك ملكة القيادة والتوجيه، لأنها كالصخرة الصلبة في مواجهة أعدائها، وكالشمعة المحترقة في خدمة شعبها.
إن حساب "العطاء والتضحية" الذي افتتحته "جهاد" في مدينة القدس يمتلك رصيداً كبيراً من المحبة والاحترام في قلوب عشرات آلاف المقدسيين خاصة والفلسطينيين عامة، وأنا واحدُ منهم، فهنيئاً لها بهذا النجاح الذي تستحقه، وهنيئاً لنا وللقدس ولفلسطين بأننا حظينا بإمرأة نموذجية في تفانيها وعطائها اسمها "جهاد").ص85
***
وبلغة حافلة بالمجازات والاستعارات يكتب المواطن أيمن الشرباتي أجزاء من سيرته وسيرة رفاقه في السجون الإسرائيلية. يكتب أيمن المحكوم بالسجن المؤبد عن معاناته في السجن وعن معاناة رفاقه، ولا تخلو كتابته من فكاهة عذبه ردًا على تجهم الزنازين وجدران السجون.
في هذا الكتاب وصف مسهب لحياة الأسرى في السجن، ولعلاقات التكاتف التي تجمعهم وتوحدهم ولبعض الخلافات في ما بينهم، وفيه تأملات عن السجن والسجان، وبرغم احتفائه بالخليل مدينة أجداده، فإنه لا ينسى مدينة سكناه التي اعتقل فيها وحوكم من أجلها:
"أمّا أرواحنا وأفراحنا وأتراحنا فتبقى على حلّها وترحالها، غزلانا كنعانيّة تتعطّش لموسم الهجرة إلى القدس الذي طال وطال، وتحلم بندى زيتونها، وتتأمّل جمال عيونها، وعلى رنين أجراس الكنائس تنام، وعلى حنين المآذن للصّلاة والفلاح تنهض" ص41 
وتظل هي الغاية والهدف والطموح والمآل:
"محمود يجيد الاصطياد في مياه الطّابور العكرة بصنّارة التّناقض حين قال (...) يا إخوة، أيّها المجاهدون، يا رفاق الطّابور الصّاعد إلى القدس بعزيمة وإصرار، إنّ الطّابور الّذي اتّخذ من الشّمس بوصلة لن يحيد عن درب العطاء والفداء، وإنّ واجبنا الوطنيّ يحتّم علينا أن نحسن استثمار اللّحظة التّاريخيّة الّتي أتاحها لنا القدر كي نوظّفها على خير ما يرام" ص187 .
*** 
وفي رواية "العاصي" للأسير المقدسي سائد سلامة الذي سينهي بعد ثلاث سنوات حكمه بالسجن البالغ أربعًا وعشرين سنة، تبرز علاقة الرواية بمدينة القدس من خلال سلوك نادر الذي يقيم في إحدى قرى المدينة، ويسعى إلى التمثُّل بما فعله العاصي رفضًا منه للاحتلال ولممارساته ضد الناس، لذلك نراه يعتلي جدار الفصل العنصري التوسعي  متجهًا إلى القدس وفي ذهنه قرار لن يحيد عنه مهما كانت النتائج، وتنتهي الرواية كما يلي: " كانت حَلْقُه وكأنما بئر عطشى ...ولم يأبه،
كانت جراحه حُبلى بآلامٍ لا تستكين ... ولم يأبه،
 كانت الوجوه تراه وتُشيحُ عنه... ولم يأبه،
كان سارياً في الليل يبحث عن الدفء والأمان ...ولم يأبه،
كان له اسمٌ أوسع من الهامش وأضيق من المتن.
ثم صار له اسمٌ يشبه الحكاية".ص358
*** 
تفصح رواية عمار الزبن "الطريق إلى شارع يافا" عن توجهها بشكل صريح، وهي منحازة إلى موضوعها المرتبط بالمقاومة المسلحة على غرار روايات المقاومة السوفياتية أثناء الحرب العالمية الثانية، لكنها وهي تحتفي بالأمكنة الفلسطينية تفرد للقدس موقعًا خاصًا في قلوب أبطال الرواية، مثلًا:
"محمود لم يقاوم البعد عن القدس أكثر من ذلك، تغيّب عنها قسرًا بالنفي إلى مرج الزهور جنوب لبنان، ثم الاعتقال المتكرر وأخيرًا المطاردة التي افترض جهاز الشاباك أن أبرز إيجابياتها حرمانه من الوصول إلى القدس والمسجد الأقصى" ص56.
لكنه يتحدى المحتلين ويصل القدس:
"تمهلت قليلًا في باب العامود، وما زال المكان يبهرني جمالًا منذ كنت طفلًا، أزور القدس، أحجها، أيمم إليها وجهي، طفلًا، صبيًّا، فشابًّا"ص77 .

الكاتب محمود شقير 

مجلة المقدسية/ العدد 14/2022 
يتبع...

. . .
رابط مختصر
مشاركة الخبر: