محمد أبو غنام .. خمسُ سنوات مرّت على ارتقائه وتهريبه ووالدته ما زالت تنتظره

محمد أبو غنام .. خمسُ سنوات مرّت على ارتقائه وتهريبه ووالدته ما زالت تنتظره
والدة الشهيد أبو غنام

القدس المحتلة- القسطل: تُحدّق في صور نجلها المُعلقة في كافة زوايا الغرفة، تحتضن بين يديها قميصه المُعطر بدمه، تشتم رائحته المُعبقّة بالمسك والعنبر، وتسترجع بذاكرتها ما حصل قبل خمس سنوات عام 2017، خلال "هبّة البوابات الإلكترونية"، كأنه الأمس. 

قبل خمس سنوات ارتقى الشهيد المقدسي محمد حسن أبو غنام (20 عاماً)، غاب حبيب والدته، وكاتم أسرارها، بعد أن أصابته رصاصة المُحتل الغادرة على مدخل بلدته "الطور" شرق القدس المحتلة، عقب اندلاع مواجهات مع الاحتلال.

سنواتٌ طويلة مرّت وما زالت والدته سوزان أبو غنام تتمنى لو أن محمد يدقّ باب المنزل ويعود إلى حضنها الدافئ، فتُقبله وتستنشق رائحته، وتُعد له طبق "الملوخية" الذي يُحبّه، لكنها اليوم تجلس وتحدّق في صوره وتبعثُ له برسائلها المحمّلة بالشوق والفخر.

"أنت موجودٌ معي في كل تفاصيل حياتي، لم تُغادرني ولم تُفارقني أبداً، أنا فخورة بك جداً، وكل يوم أرفع رأسي فيك أكثر.. أنتَ وعدتني بالشهادة حتى أدخل الجنّة.. أريد أن أذَّكرك بوعدك"، تقول أبو غنام موّجهة حديثها لمحمد.

تسترجع أبو غنام التفاصيل بذاكرتها، وتُحدّث "القسطل" قائلة: "ونِعْمَ الذكرى ذكرى محمد، وذكرى هبّة البوابات، ذكرى الفخر والانتصار.. صحيحٌ أنها تحمل الألم والوجع لكنها ممزوجة بالفخر والرباط والعزيمة.. الحمد لله.. لي الفخر أن محمد كان من أول المرابطين على أبواب المسجد الأقصى المبارك".

من اللحظة الأولى لاندلاع "هبّة البوابات الإلكترونية"، لم يُفارق محمد أبواب المسجد الأقصى، وحرِص على الرباط الدائم مع والدته، كان جُلَّ تفكيره في مسرى الرسول وطريقة الدفاع عنه، وفي أيامٍ كثيرة كان يبكي بحرقةٍ على وضعه.

في يوم ارتقائه، توجهت والدته سوزان إلى صلاة الجمعة في وقتٍ مُبكر، ولم تودع نجلها أو تره، فقد بات ليلته الأخيرة في منزل جدته، وعندما عادت إلى منزلها، أخبرها زوجها أنه رآه في الصلاة، ولا يعلم أين ذهب بعد ذلك.

دقائق معدودة من هذا الحوار الصغير حتى تلّقت أبو غنام اتصالاً من شقيقتها التي أخبرتها عن وجود شهيد في بلدتهم "الطور"، دون معرفة هويته، وعبر الهاتف جاء صوت نجل شقيقتها من بعيد وهو يُردد: "محمد حسن استشهد"، لتحلّ الصدمة في المكان، كما أوضحت.

وبعد أقل من ساعة على ارتقائه شهيداً، شُيع جثمان محمد بعد أن هُرّب من على أسوار مستشفى المقاصد في بلدة الطور، خشية احتجازه من قبل سلطات الاحتلال التي طوقت المكان واقتحمت قسم الطوارئ، ليوارى الثرى دون أن تستطيع والدته أن تقبله وتحتضنه لآخر مرة، لتبقى غصّةً في قلبها رغم مرور السنين.

تصفُ أبو غنام نجلها، كيف كان مهذباً، طيباً، حنوناً، يحبّه كلَّ من يعرفه، مجتهداً في دراسته، ومتعلقاً بالمسجد الأقصى، وقالت موجهة كلامها له: "لو عدت الآن لأعددت لك طبق الملوخية الذي تحبه كثيراً".

يلاحقونه بعد استشهاده..

تُبيّن أبو غنام في حديثها مع "القسطل" أنها اعتُقلت عقب ارتقاء نجلها محمد، لمدة 11 شهراً؛ بسبب منشورات كتبتها عبر صفحتها على "فيسبوك" عن ألمها على فراقه.

وتتابع بغصّة: "حتى وجعنا لا يريدون أن نكتب عنه.. يدّعون أن هذه منشورات تحريضية.. هناك صور معينة لمحمد يمنعني الاحتلال من نشرها على مواقع التواصل.. وأخرى تم مصادرة هاتفي وإزالتها عنه.. وصور كثيرة تمت مصادرتها من المنزل".

"أقول لهم مهما صادرتُم من صور، وفرضتُم من تضييقات، صورة محمد محفورة في قلبي وعقلي ولا تستطيعون مصادرتها أبداً"، تضيف أبو غنام.

هكذا هم أبناء المدينة المقدّسة، رغم ألمهم وفَقدهم لأغلى ما يملكون، لا يعرفون سوى الصبر والقوّة، والتضحية من أجل قُدسهم وأقصاهم، وأكّدت أبو غنام على ذلك بقولها: "الحمد لله، محمد زادني شرفاً وفخراً.. استشهاد محمد واعتقالي يزيدنا عزيمةً وإصراراً على إكمال الطريق.. مسرى الرسول غالي ويجب أن نُقدم أغلى ما نملك من أجله، وسنُكمل طريقنا حتى التحرير".

 

. . .
رابط مختصر