كيف ستُحلّ أزمة مركز طوارئ أبو ديس؟

كيف ستُحلّ أزمة مركز طوارئ أبو ديس؟

القدس المحتلة - القسطل: أكثر من 150 ألف نسمة يقطنون مناطق جنوبي شرق القدس المحتلة، يخدمهم مركز طوارئ واحد فقط، تهدّد وزارة الصحة الفلسطينية بإغلاقه بسبب عدم حصوله على ترخيص عمل، وفي الوقت ذاته تُريد إدارة جمعية المقاصد تحويل مسؤولياته إلى المشفى ذاتها.

يقول المدير الطبي لمركز طوارئ أبو ديس د.عبد الله أبو هلال إن المركز عبارة عن عيادة طبية افتتحت عام 1965، وكان هدفها خيري كونها تتبع جمعية المقاصد الخيرية. في أواخر التسعينيات تم عقد اتفاق بين وزارة الصحة وجمعية المقاصد الخيرية باستقبال جميع مرضى أبو ديس ممن يحملون التأمين الصحي الفلسطيني على أن تقدم الصحة للمركز مبلغ 50 ألف شيقلًا (مقابل الخدمات).

ويؤكد أن وزارة الصحة لم توفِ بوعودها، ولم تدفع المبلغ المطلوب، رغم أن المركز مستمر في تقديم الخدمات لحملة التأمين الصحي مقابل أن تقوم الصحة بتقديم كافة المواد التي يحتاجونها خلال علاجهم ومواد المختبر.

خلال عام 2008، حصلت العديد من حالات الوفاة سواء عند جدار الفصل، أو عبر الطرق الالتفافية أو على الحواجز العسكرية الإسرائيلية، فأنشأت بلدية أبو ديس مركز طوارئ وسلّمته لجمعية المقاصد، فيكون بذلك حلقة وصل بين أهالي المنطقة ومشافي القدس الفلسطينية، ونوه أبو هلال إلى أن المقاصد هي الجهة الوحيدة الداعمة له من لوازم طبية وأدوية ورواتب للموظفين.

يوضح أبو هلال لـ”القسطل” أن المركز أصبح يشكل عبئًا على الجمعية كونها الجهة الوحيدة الداعمة،  فكان القرار أن يتم تسليم مركز الطوارئ بحيث لن يكون “المقاصد” مسؤولاً عنه. وفعليًا بدأت المقاصد بعدة إجراءات فأوقفت تزويد المركز بالأدوية الضرورية، وتعبئة أنابيب الأكسجين وذلك لتقليل الخسائر، وفي الوقت ذاته استمرت في دفع رواتب الموظفين التي تصل لمليون شيقل تقريبًا.

مشفى المقاصد وكما هو معروف، يعاني من ضائقة مالية كبيرة في الآونة الأخيرة، وهو يدير مركزي “الرام” و”أبو ديس”، لذلك بدأ بتنفيذ خطة “تقشفية” بحسب أبو هلال، فأغلق مركز الرام وأنهى خدمات الموظفين فيه، أما الخطوة الثانية فكانت محاولة تقليص خدمات مركز طوارئ أبو ديس، من إغلاق بعض العيادات وتقليص الخدمات وإغلاق أقسام المختبر والأشعة..الخ من الإجراءات.

إدارة مركز طوارئ أبو ديس لم تقبل بتقليص الخدمات التي تقدّم لأكثر من 150 ألف فلسطيني في المنطقة، لتجتمع مع إدارة المقاصد لمناقشة تلك المسألة، خاصة وأن تقليص عدد الموظفين وإغلاق أقسام بالمركز مثل الأشعة والمختبر وغيرها سيشكل عقبة كبيرة أمامهم في تقديم الخدمات للمرضى.

يشير أبو هلال إلى أن سياسة إغلاق الأقسام وتقليص عدد الموظفين ستضرّ بالمرضى، فماذا لو جاء طفل صغير حرارته مرتفعة أو لديه وجع في الصدر، ولا نستطيع عمل فحص دم عادي له أو فحص “بول”، ماذا لو وقع رجل على رجله ليلًا وقسم الأشعة مغلق، فالمركز قلّل من عمل الأقسام في الفترة المسائية فقط لكنه لم يغلقها بالكامل.

ويضيف “قد يأتي مريض لديه وجع في الصدر، فنقوم بعمل تخطيط له، ولكننا لا نستطيع عمل فحص “أنزيم قلب” كون المختبر مغلق مساء، فنضطر لتحويل المريض إلى مشفى رام الله لعمل هذا الفحص والعودة لنا، وهذه معاناة كبيرة جدًا”.

قدّمت إدارة مركز طوارئ أبو ديس مقترحًا لوزارة الصحة ومشفى المقاصد، على أن يكون المركز مشتركًا ما بين الطرفين (الوزارة والمشفى) بحيث تقوم الصحة بدورها في دعم المركز بقيمة مليون شيقل سنويًا تغطي فيه كافة اللوازم، فمناطق جنوبي شرق القدس مهمشة جدًا، ولا يوجد أي مشفى فيها، ومن حق عشرات آلاف الفلسطينيين أن يكون لهم مشفى وغرفة طوارئ تراع كافة احتياجاتهم الطبية، وفقًا لما أفاد به أبو هلال.

وبهذه الطريقة، بدلًا من أن يدفع المريض تكلفة عالية للعلاج في المركز، يقوم بدفع مبلغ رمزي ومقبول للجميع وكأنه في أي قسم طوارئ بمشفى حكومي بالضفة، وبالتالي ننقذ المؤسسة والناس، ولكن مع الأسف “لم نلق تجاوبًا من الطرفين” يقول أبو هلال.

وفقًا لإحصائيات مركز طوارئ أبو ديس الذي يعمل فيه 26 موظفًا، فقد زاره عام 2019 نحو 69 ألفًا و500 مراجع، ما يعني أنه يقوم بمقام “مشفى” لا “مركز طبي”، وهناك ما بين 8 إلى 10 آلاف فلسطيني يُعالجون فيه مجانًا، مثل دور الأيتام، طلاب المدارس أثناء الدوام، جرحى المواجهات، أهالي الأسرى والشهداء المحتاجين، الأجهزة الأمنية، ومتطوعي الهلال الأحمر.

وزارة الصحة الفلسطينية قالت إن المركز “غير مرخّص”. يقول المدير الطبي للمركز أبو هلال لـ”القسطل”: “ما ذنبنا، نحن فعليًا نتبع مشفى المقاصد المرخّصة، لكن مع الأسف أرسلوا لنا بلاغًا بأن أوراقنا تحوّلت للنائب العام لإغلاق المركز، تخيلوا أن يتم إغلاق مركز طبي يخدم كل جنوبي شرق القدس!!”.

“لم نتوقع أن نصل لهذا الظلم، توقعنا أن يتلفّ الجميع حولنا، وأن نطوّر مركز الطوارئ الوحيد في المنطقة، ونزيد من الكوادر الطبية العاملة فيه، وأن نبحث عن تخصصات جديدة يحتاجها وغير متوفرة فيه، للتسهيل على المواطن في جنوب شرق القدس لإنه فعليًا مهمش من الجميع”، بحسب ما أفاد به أبو هلال.

صحة القدس .. تردّ

أما مدير صحة القدس د.خالد شيحة فقال بالتأكيد لن يتم إغلاق المركز، ونحن لا ننكر أنه يقدّم خدمات للمرضى الفلسطينيين في جنوبي شرق القدس، لكنه مركز غير مرخص من قبل وزارة الصحة، وما حصل استكمال فقط لعملية الترخيص، ولا يُمكن القول إنه يتبع المقاصد وهي مرخّصة، فهما مبنيان منفصلان، ويجب أن يكون لكل مبنى طبي أوراق ترخيص.

وأضاف في حديث لـ”القسطل” أن مديرية الصحة في أي محافظة في الضفة الغربية، تقوم ضمن صلاحيتها برفع كتاب لوزارة الصحة في حال كان هناك مركز طبي يعمل دون ترخيص، وبالتالي تقوم الوزارة باتباع الإجراءات القانونية بحقه، ولكن هذا الأمر لا يعني إغلاقه.

ويشير إلى أنه تم تسليم المركز قائمة بالشروط المطلوبة للحصول على الترخيص لتقديمها، ونحن بانتظار الرد.

يوم الجمعة، تم عقد اجتماع ما بين مركز طوارئ أبو ديس وصحة القدس والأجهزة الأمنية وبلدية أبو ديس، وتبين أن جمعية المقاصد الخيرية تُريد تسليم مسؤوليات المستوصف لمشفى المقاصد، وبالتالي على المشفى أن يعقد اجتماعه مع وزارة الصحة لبحث الأمر، وتُعتبر الاتفاقية الأولى لاغية.

أما بالنسبة لنقص الأدوية، فالصحة أوضحت لـ"القسطل" بأنها تزوّد المركز بالأدوية للأمراض المزمنة ومواد المختبر، لكن بشكل عام، وبسبب أوضاع الكورونا في الفترة الأخيرة والأموال التي صُرفت من أجلها، هناك نقص حاد في الأدوية المزمنة.

“قمت بطرح فكرة الفصل، بمعنى أن يصبح المركز الحالي عبارة عن؛ عيادة طبية، ومركز طوارئ، فأبو ديس كغيرها من القرى والبلدات لها حق عند مديرية صحة القدس بوجود عيادة ثابتة، فنحن على استعداد تام لفتحها وتزويدها بكافة المسلتزمات والكوادر الطبية التابعة للصحة، وتقديم خدماتها لأهل أبو ديس”، يوضح د.شيحة.

هذا المقترح يأتي على غرار مركز بيرنبالا شمالي القدس، الذي تديره مديرية صحة القدس، فهو مكون من مركز طوارئ وعيادة، قسمان مفصولان عن بعضهما كباقي دول العالم، ولكنهما في المبنى ذاته، والكادر الطبي العامل في الطوارئ لا يعمل في العيادات.

ويلفت د.شيحة إلى أن إدارة المركز رفضت هذا المقترح، وتُريد أن يبقى الحال كما هو عليه، ومرتبط بالمقاصد.

ولكن حتى لو تم عقد اتفاقية جديدة بين المركز ومشفى المقاصد سيوقّع عليها على أساس تقديم خدمات الطوارى لا خدمات الرعاية الصحية.

ما رأي البلديات والقوى والفعاليات الوطنية في جنوب شرق القدس؟

البلديات والقوى والفعاليات الوطنية في جنوب شرق القدس، استنكرت القرارات التي اتخذت تجاه المركز الصحي الوحيد الذي يقدم خدماته الصحية على مدار الساعة لأهالي وسكان المنطقة الذين يزيد عددهم عن 150 ألف نسمة، في ظل الظروف الصعبة التي تعاني منها المنطقة والظروف الطارئة التي فرضتها جائحة كورونا على الوطن بشكل عام ومنطقة جنوب شرق القدس بشكل خاص.

وقالت في بيانها المشترك “نرفض رفضًا قاطعًا إغلاق المركز أو تقليص ساعات عمله أو أن يبقى أهالي بلداتنا دون رعاية صحية على مدار الساعة، ونصر على بقاء أبواب هذا المركز مفتوحة كجزء من جمعية ومستشفى المقاصد الخيرية، وكمشروع مشترك بينها وبين وزارة الصحة الفلسطينية أو إيجاد البديل الوحيد عنه بإقامة مشفى لخدمة المنطقة وسكانها”.

وطالبت بوقف كافة الإجراءات التي اتخذتها وزارة الصحة الفلسطينية تجاه المركز القاضية بإغلاقه ووقف تقديم الأدوية والمستلزمات الطبية للمركز والمختبرات، كما طالبت جمعية المقاصد الخيرية بوقف كافة الإجراءات “التعسفية” التي اتخذت بحق بعض موظفي المركز وإيقافهم عن العمل، ورفضت أي تقليص لأي خدمة يقدمها المركز.

وطالبت بتوفير كافة الأدوية والمستلزمات الطبية وبشكل عاجل للمركز والحفاظ على جودة الخدمات الصحية التي يقدمها للأهالي والسكان.

ودعت الحكومة الفلسطينية ممثلة برئيس الوزراء د.محمد اشتية لتحمل مسؤولياتهم تجاه المنطقة وأهاليها.

كما دعت البلديات والقوى والفعاليات الوطنية في جنوب شرق القدس للمشاركة بالوقفة الاحتجاجية اليوم الأحد؛ رفضًا لهذه الإجراءات الجائرة أمام مديرية صحة القدس – العيزرية.

ونوهت إلى أنه تم تشكيل غرفة طوارئ مشتركة من المؤسسات الرسمية والقوى والفعاليات الوطنية في المنطقة لمتابعة تطورات هذه القضية والفعاليات الاحتجاجية على هذه القرارات.

فرعون: إغلاق المركز سيمس بحياة آلاف الفلسطينيين والمرضى خاصة

يقول رئيس بلدية العيزرية عصام فرعون لـ”القسطل”: “إن مركز طوارئ أبو ديس عبارة عن مركز طبي يعمل على مدار 24 ساعة، وهو المركز الوحيد الذي يتعامل مع الحالات الطارئة، وهذه خدمة مهمة جدًا وأولوية قصوى بالنسبة للمنطقة، في ظل الوضع الطبيعي، فما بالكم بوضع انتشار وباء كورونا في كل البلاد”.

ويؤكد أن إغلاق المركز “سيمس بحياة الناس ويهدد حياة المرضى الذين هم بحاجة لخدمات طبية طارئة، لذلك نحن نحرص بشكل كبير كمجتمع محلي وبلديات على استمرار المركز في تقديم خدماته بل وتطويرها أيضًا”.

ويشير إلى أن المركز لديه ثلاث قضايا، الأولى مع جمعية المقاصد الخيرية حول فصل عدد من الموظفين، والثانية مع وزارة الصحة وإجراءات إدارية في إدارة المركز واستيفاء بعض المتطلبات، والثالثة في منع مستودعات الأدوية بالتعاطي مع المركز وتوفير الأدوية والاحتياجات الطبية اللازمة له.

يُلفت فرعون إلى أن المركز وقبل الأزمة الحالية يفتقر للعديد من المستلزمات الطبية، الجراحية، والطوارئ، واليوم هو بحاجة لاسطوانات أكسجين وكافة المستلزمات الطبية الخاصة للتعامل مع وباء كورونا، لذلك نريد من الجهات المختصة الثلاث (الصحة والمقاصد والصيدليات) أن تتحمل مسؤولياتها اتجاه المركز.

ويقول: “عليهم أن يجتمعوا لحل جميع الإشكاليات التي قد تتطلب تجميد القرارات السابقة، والتأكيد على رفع كفاءة المركز، المركز موجود رغم تقليص الخدمات والافتقار للعديد من المستلزمات، لكنه بحاجة لتطوير، فبدلًا من أن يجتمعوا للاتفاق على تطوير المركز ويتناقشون في احتياجاته وإمكانية تلبيتها، يريدون إغلاقه!!”.

. . .
رابط مختصر
مشاركة الخبر: